السيد عبد الله شبر

504

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار

وإنّما المانع من رؤيتهم عادةً حجاب قرّره اللَّه تعالى لحكمة لا يعلمها إلّاهو وأهل البصائر من عباده ، وربّما يظهر صورتهم لمن يشاء اللَّه تعالى كما ظهر النبيّ صلى الله عليه وآله للأوّل في حال يقظته ، فقال له : « آمن بعليّ وبأحد عشر من ولدي ، إنّهم مثلي إلّاالنبوّة ، وتُب إلى اللَّه عمّا في يدك فإنّه لا حقّ لك فيه » ، فأراد أن يعزل نفسه عمّا هو فيه فمنعه صاحبه ، وقال : هذا من سحر بني هاشم « 1 » . انتهى . وللمحقّق البحرانيّ في الدرّة النجفيّة توجيه غريب لهذه الأخبار ، قال : إنّ المستفاد من جملة من الأخبار أنّ دفن الميّت إنّما يقع في موضع تربته التي خلق منها ، ومنها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال : « من خُلق من تربة دفن فيها » . وعن الصادق عليه السلام : « إنّ النطفة إذا وقعت في الرحم بعث اللَّه ملكاً فأخذ من التربة التي يدفن فيها فماثها في النطفة ، فلا يزال قلبه يحنّ إليها حتّى يدفن فيها » . وحينئذٍ فما ورد من الأخبار دالّاً على رفعهم عليهم السلام من الأرض بالأبدان العنصريّة يجب تقييده بما دلّت عليه هذه الأخبار من الدفن في الموضع الأصليّ الذي اخذت منه الطينة ، ويجب حمل خبري عظام آدم ويوسف على الدفن في غير الموضع المشار إليه ، فكأنّه إنّما وقع على جهة الإيداع في هذا المكان لمصلحة لا نعلمها ، والمقرّ الحقيقيّ إنّما هو الموضع الذي أمر اللَّه سبحانه بالنقل إليه بعد ذلك ، فيصير الدفن في ذلك الموضع من قبيل ما لو بقي على وجه الأرض من غير دفن في وجوب بقاء الجسد العنصريّ ، وإن جاز انتقال كلّ منهما إلى بدن مثاليّ في ذلك العالَم ، لعدم إمكان نقل البدن العنصريّ ، حيث إنّه مأمور بنقله إلى ذلك المكان الآخر بعد الإيداع في هذا المكان مدّة ، فمن أجل ذلك لم يُرفعا به . وأمّا وجه الحكمة في الدفن أوّلًا في ذلك المكان مع كونه ليس هو المكان الأصليّ والتربة الحقيقيّة فلا يجب علينا تطلّب وجهه ولا تحصيل علّته ، وإنّما يجب علينا الإيمان بما وقع كما في كثير من أسرار القضاء والقدر ، وهو وجه وجيه .

--> ( 1 ) . شرح المازندراني ، ج 7 ، ص 194 .